الشوكاني
53
نيل الأوطار
من كل جانب فلا يرعى فيه غيره ، ويرعى هو مع غيره فيما سواه ، والحمى هو المكان المحمي ، وهو خلاف المباح ومعناه أن يمنع من الاحياء في ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ ، وترعاه مواشي مخصوصة ويمنع غيرها ، والنقيع هو بالنون كما ذكر المصنف ، وحكى الخطابي أن بعضهم صحفه فقال بالموحدة وهو على عشرين فرسخا من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال ، ذكر ذلك ابن وهب في موطئه ، وأصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء ، وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث غير نقيع الخضمات الذي جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة على المشهور كما قال الحافظ . وقال ابن الجوزي : بعضهم قال : إنهما واحد ، قال : والأول أصح . قوله : لا حمى إلا لله ولرسوله قال الشافعي : يحتمل معنى الحديث شيئين : أحدهما ليس لأحد أن يحمي المسلمين إلا ما حماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والآخر معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فعلى الأول : ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الخليفة خاصة . قال في الفتح : وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألة قولين والراجح عندهم الثاني ، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ اه . ومن أصحاب الشافعي من الحق بالخليفة ولاة الأقاليم . قال الحافظ : ومحل الجواز مطلقا أن لا يضر بكافة المسلمين اه . وظاهر قوله في الحديث الأول للخيل خيل المسلمين أنه لا يجوز للامام على فرض إلحاقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحمي لنفسه ، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعية والحنفية والهادوية ، قالوا : بل يحمي لخيل المسلمين وسائر أنعامهم ، ولا سيما أنعام من ضعف منهم عن الانتجاع كما فعله عمر في الأثر المذكور . وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز الاحياء معارضة ، ومنشأ هذا الظن عدم الفرق بينهما وهو فاسد ، فإن الحمى أخص من الاحياء مطلقا . قال ابن الجوزي : ليس بين الحديثين معارضة ، فالحمى المنهي عنه ما يحمى من الموات الكثيرة العشب لنفسه خاصة كفعل الجاهلية ، والاحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة فافترقا ، قال : وإنما تعد أرض الحمى مواتا لكونها لم يتقدم فيها ملك لأحد ، لكنها تشبه العامرة لما فيها من المنفعة العامة . قوله : وأن عمر حمى شرف لفظ البخاري الشرف بالتعريف ، قال في الفتح : والشرف بفتح المعجمة والراء بعدها فاء في المشهور . وذكر عياض أنه عند